لست طبيبا أنا مريض مثلكم


أنا مريض، وأنتم الأطباء

كنت أنظر إلى الحائط القصير، فأخشى إن أنا حاولت القفز عليه أن أتعثر في الهواء فأسقط على وجهي، فتسقط مع سقوطي أسناني البيضاء الجميلة فأمضي بقية عمري أدردا بلا أسنان يتغامز علي الناس ويشير إلي الصبية بأصابعهم هازئين، تنتابني حالة من الذعر والرهاب من أشياء مستحيلة الوقوع في عرف الإنسان العادي،  لكنها في عرفي أقرب إلي من أرنبة أنفي.
خوفي لم يكن مقصورا على خشية الألم من سقوطي على وجهي وأنا أقفز على الحائط القصير، بل تجاوزه ليشمل أشياء غير ملموسة، فكنت أرتاب من المكوث وحيدا مخافة الجن، وكنت أهاب الخروج ليلا مخافة اللصوص وقطاع الطرق.
كنت أكتم أمراضي ولا أبوح بها إلى أحد، حتى أمي التي يفترض أنها أقرب الناس إلي لا أبث إليها شكواي، وإنما ألوذ بالصمت والهدوء المصطنع وفي قرارتي تتصارعني الأمواج وتتقاذفني العواصف.
كنت أنظر إلى الناس كافة أنهم أسوياء، يجيدون فن الحياة، يتكلمون فيحسنون، يعملون فيتقنون، يناقشون فيقنعون، فكنت أردد دوما حينما أختلي بنفسي:
إنهم أطباء وبيدهم علاجي، علي أن أجتمع معهم، وأستفيد منهم ومن خبراتهم.
ثم أنظر إلى نفسي نظرة دونية محتقرة، وأبدأ في الجلد الذاتي دونما رحمة أو شفقة:
سُحْقًا لي من فاشل، تَبًّا لي من رعديد، ما هذا الكم الهائل من الفوبيا الذي أعيشه؟ فوبيا من الارتفاعات، فوبيا من نباح الكلاب، فوبيا من السباحة، فوبيا من الحديث أمام الناس، فوبيا من الوحدة...
أقف أمام المرآة في أحايين كثيرة، وَأَتَخَيَّلُنِي أمام الناس فأضغط على أعصابي وأصيح بشدة:
أنا مريض وأنتم الأطباء !
بحثت في الانترنت عن تفسير لحالتي، فوجدت أنهم يسمونها في علم النفس بالوسواس القهري، فتنفست الصعداء وزفرت بحرارة لأنني لست الوحيد الذي اعتراه هذا المرض، لكن سرعان ما عاد المارد الذي يسكنني ليكدر علي صفو مزاجي قائلا: الصوت الذي ينبهك ليس وسواسا إنه صوت الضمير، ويحك أترضى أن تخالف فطرتك وتتبع أهواء قوم ضلوا؟
ثم ما لبث أن أردف المارد معاتبا:
هؤلاء قوم تفرقت بهم السبل، فبدؤوا يُسَمُّونَ صوت الضمير بالوسواس القهري، أنت لست مريضا، بل هم المرضى إِذْ ما بقي لصوت الضمير عليهم سلطان.
أَقْنَعَنِي المارد فأغلقت صفحات الويب التي كنت أطالعها وكلي يقين أن علماء النفس هم المرضى، وأنهم في مكانة دون مكانتي، فأخذتني غمرة الغرور للحظات، فابتسمت بكبرياء وأنا أردد في نفسي: لست مريضا، أنتم المرضى.

أنا طبيب، وأنتم المرضى

كنت أعلم أن قلقي وخوفي لم يمت، لكنني بنيت عليهما وهما جديدا، فتخيلتني طبيبا بارعا يفهم حالة البشر المرضية، وبدأت أعامل الجميع وفقا لهذا التصور الطارىء، أذكر أنني تحدثت مع والدي بشدة وبلهجة خشنة حينما وجدته يشرب الماء باردا بعد وجبة دسمة، أحسست بتأنيب الضمير ساعتها، لكنني ما لبثت أن عدت إلى غطرستي وهمست بهدوء: إنما أقسو عليه لمصلحته !
بدأ الناس يتعاملون معي بطريقة مختلفة، فصار أصدقائي يتحاشون اللقاء بي، والدي بدأ يقلق علي أكثر من ذي قبل، أما أمي المسكينة فإنني كنت أسمع همهماتها عند الدعاء فلا أميز منها إلا قولها: "اللهم رد إلينا ابننا ردا جميلا"، يعجبني هذا الدعاء فأردد خلفها: اللهم رد أمي وأبي وسائر الناس إلى صوت الحق ردا جميلا.
كنت على يقين أنني أمسك الحق في يدي، كما تمسك العجوز عكازتها، وكما يمسك الأعمى عصاه، لم أشك للحظة، أنني زدت على مرضي القديم مرضا جديدا، وكيف أعي ذلك وأنا سعيد جدا بما بلغته من نبوغ وتميز.
بدأت أرد على شيوخ الدين في صفحتي على الفيسبوك، أرد أحاديث شتى لأنها لا توافق مزاجي، أوزع اللايكات على مقاطع السخرية من الغير، لم يستطع أحد إيقافي حينها، ليس لأنني قوي الحجة، ولكن لأنني ثور أنطح كل ما يأتي أمامي.
وصلت إلى حالة هستيرية من الإعجاب بالذات صرت أرى معها كل قول غير قولي سخفا، وفي كل نصيحة تسدى إلي ضعفا.
أيها الناصحون، احتفظوا بأغراضكم لأنفسكم، فإن عقلي الكبير لا يستحمل سخافاتكم !
مع مرور الزمن، بدأ اليأس يتسرب إلي، ثم تلاه الأرق، ثم تلاه فقدان كل لامع لبريقه، فما عاد يغويني شيء..
وصلت إلى حالة من التعب النفسي والفراغ الروحي لم أصلها من قبل..
حاول المارد مجددا أن يصور إلي هذا المرض على أنه نعمة فقال لي:
ما لك لا تستحمل سطوة العقل؟ إنما هذا التعب مرجعه إلى عقلك الضخم، وما استراح من كان له عقل كعقلك.
كاد يقنعني هذه المرة أيضا، لولا أن صداع الرأس جَرَّاءَ الأرق حال دون ذلك، فَغِبْتُ في دوامة من الأفكار كدت أن أفقد عقلي معها، فأوقفت هذه المعمعة وأنا أصيح:
لست طبيبا أنا مريض مثلكم !

لست طبيبا أنا مريض مثلكم !


"كلنا مرضى" أهون علي من أن أكون مريضا دون العالمين، أو طبيبا على عيادة من المرضى تمتد من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي.
ما لي وللناس؟ سأحيى حياتي وفق الخط المحمدي، وَأَعْظِمْ به من خط !
أما خوفي من المجهول فقتلته بالإيمان بالقضاء والقدر..

وغروري وتكبري قهرتهما بالتواضع وخشية الرحمن وخفض جناح الذل من الرحمة لوالدي، وألا أمشي في الأرض مرحا.

هكذا علمني الإسلام، وهكذا انتشلتني أنامل الرحمة من براثين العذاب، فالحمد لله رب العالمين !

مسالك النجاح الأربعة


زعموا أن رجلا بلغ من النجاح كل مبلغ، فكان لا يضع يده على شيء إلا حالفه السداد، ولا يرى في مسألة رأيا إلا واطأه الصواب، فاحتار الناس في أمره أشد الحيرة، وبذلوا لمعرفة خَبِيئَتِهِ كل جُهْدٍ ولَأْيٍ، فلما فطن لذلك دفعته نفسه الصافية إلى شرح أساليبه للناس ليستفيد منها كل من له بها حاجة.

فصعد ذات يوم ربوة عالية، وصاح في الناس يجمعهم حوله، فلما تحلق حوله جمع غفير خطب فيهم قائلا:

يا معشر الناس، إن الحديث عن النجاح حديث ذو شجون، ولا يمكننا حصره في هذا الملتقى، لكنني سَأُجْمِلُ وَأُلَخِّصُ، عسى أن أصيب بهذه العصارة بيت القصيد فتتضح الصورة في أذهانكم ويستحيل التراب في أيديكم ذَهَبًا.
إن النجاح قمة علياء، وما بلغتها عن كسل مني أو تواكل، وإنما بلغتها بجهد وفقني المولى تبارك وتعالى إليه، ألا وإن الناس يظنون النجاح مرهونا بطول الزمن، ولا يعلمون أنه مرهون بدفع الثمن، فمن شاء أن ينجح، فليقدم من وقته أَثْمَنَهُ، ومن فكره أَحْسَنَهُ، وَلَا يُجَارِيَنَّ السفهاء بِخُلُقٍ يَجُرُّهُ إلى خَيْبَتِهِمْ كما يَجُرُّ الطعم السمك، فَيَخْسَرَ حياته مقابل دودة، لِيَخْسَرَ مُجَارِي السفهاء نَجَاحَهُ مقابل نقاش عقيم.

يا معشر الناس، إنني سلكت في درب النجاح أربعة مسالك، فاسلكوها تظفروا بما ظفرت به.

المسلك الأول: إن سألت عن مساعدي، فهو ساعدي:



إن الذي يرى في جهد الآخرين وسيلة لبلوغ ذروة نجاحه إنسان واهم، فالنجاح مقرون بالجهد الذاتي، ومن بلغ ذروة النجاح مرتقيا ظهور غيره كان سقوطه أشبه بسقوط البهلوان الذي يمشي على الحبل وذراعاه تمسكان بثابت، فإن غاب هذا الأخير أو تهادى، هوى إلى الأرض.


المسلك الثاني: اعمل جميلا، ولا تنتظر جميلا:


إن كنت تنتظر بعد أدائك الحسن شكورا فقد خطوت أول خطوة في درب الفشل، لأن شكر الناس مقرون بدوام فضلك عليهم، فإن نقصته نقموا، وإن أزلته شتموا، فلا تركن إلى محاسن أقوالهم فيك فإنها كشعر الغزل، يلازم الحسناء ما بقيت حسناء فإن بزغ الشيب من خصلاتها استحال الجميع حُطَيْئَةً، اعمل الجميل في الناس ولا تنتظر منهم شكورا فإن العمل الحسن يُبْتَغَى به وجه المولى تبارك وتعالى فإن خلا من الإخلاص ذَرَتْهُ رياح الرياء فلا الناس أقروا لك بخيرك، ولا الأجر احْتُسِبَ لك.


المسلك الثالث: عَيْنِي الْمَرْمُودَةُ وَلَسْتَ أَجْرَبًا:


لم أزل أُوَطِّنْ نفسي على إحسان الظن بالناس ولو أساؤوا، فلست موكلا بالتنقيب في السرائر، أو إجلاء مكنونات الضمائر، ما أنا إلا إنسان بسيط أشغل نفسي بعيوبها فأربح كامل وقتي لإصلاحها بدل تضييعه في تتبع عيوب الغير فلا أنا أصلحت نفسي ولا ربحت وقتي ولا أَرَحْتُ الناس من شري و مساوئي.
لقد قدرني المولى تبارك وتعالى بعد أن أخلصت نيتي إليه، وسلمت مقاليد شؤوني إليه، على أن أَتَّهِمَ عيني بالرمد، بدل أن أَصِمَ جِلْدَ غيري بِالْجَرَبِ ولو كان كذلك.
تعلموا أن تنسبوا عيب الآخر إلى نفوسكم، لتستشعروا مرارة ظلمكم، فإن لم تقدروا فانسخوا عيب غيركم بجميل ظنكم.


المسلك الرابع: بذل الجهود في تقليل العهود:


اعلموا أن أصل النجاح في البخل بتوزيع العهود، لأن كثير العهود إما أن يخذل الناس أو يخذل نفسه، إن بقي على عهده ووفى لكل الناس ضيع نفسه بضياع وقته، وإن نكث عهده خسر الناس وإن فاز بكل وقته.
تعلموا أن تكونوا بخلاء في توزيع العهود، وأدركوا أن النجاح كل النجاح في الحسم والصدق، لا تجامل أحدا على حساب وقتك، فإن العهود سيوف على رقبتك نازلة نازلة، سَوَاءٌ أَ وَفَيْتَ أَمْ نَكَثْتَ.
لذلك لا تعد أحدا بشيء إلا إن كنت قادرا عليه، فإن توزيع الوعود في طعمه كتوزيع الورود، لكنه عند الأداء أشد وطأ من القيود.

قصة قصيرة بعنوان: "أمير على عرش الجائشة (النفس) - أو نرجسي واندثر"


لم يكن الجو جميلا يومها ولا وجوه البشر، سحب مُكْرَهِفَّةٌ ووجوه مُكْفَهِرَّةٌ، سيطر علي العبوس بدوري وأنا أخطو بساقي النحيلتين في شارع الأمل، عن أي أمل تتحدثون؟ على الأقل إذا أردتم أن تكذبوا فأحسنوا الكذبة !

كنت أُنَفِّسُ عن عبوسي بصوت كَسْرِ الصقيع وأنا أدوسه، شعور نبيل فعلا، على الأقل أفضل من كسر الخواطر.

كان صديقي "المامون" يتمشى إلى جانبي وهو يغمغم مرددا أغنية غامضة لم أتبين ألفاظها، كان من حين إلى آخر يسرق تركيزي لأرخي بسمعي إليه فأعود خائبا، فلا الأغنية عرفتها ولا غمغماته تطربني.

بين كسر الصقيع وغمغمات المامون، تراءى لي مشهد زلزل أركاني..

إنه صديقي القديم "سليمان" يتوسد الرصيف في عز البرد القارس، فركت عيني في غير تصديق ثم أوقفت المامون بغلظة، لم أنتبه إلى ردة فعله لأن تركيزي كله قد سُلِبَ وأنا أنظر إلى حال "سليمان" المأساوي.

كان يبعد عنا ببضعة أمتار، لا يفصل بيننا سوى الشارع، نحن وُقُوفٌ أمام المقهى وهو نائم على الرصيف المقابل..

أهذا هو نفسه ذلك الفتى الوسيم الذي كان يغضب أشد الغضب إذا عبث أحد بخصلات شعره؟

أهذا هو "سليمان" الذي حير الفصل بذكائه ونباهته؟

أهذا هو سليمان ملك النرجسية وسلطان حب الذات، الذي قهرنا بمدح نفسه في كل مناسبة؟

المشهد مؤلم صراحة، لقد أخبرني بعض الأصدقاء قبل مدة أنه فقد عقله، لكن لم أكن أتوقع أن أراه بهذه الحال، سبحان مبدل الأحوال !

سألني "المامون" وهو يتابع نظراتي:

- هل تعرف هذا المجنون؟

رمقته بفظاظة وهتفت به:

- لا تتكلم بهذا الأسلوب، فهذا صديق قديم !

أطرق المامون برأسه لهنيهات، ثم عاد يسألني:

- وما الذي حدث له يا ترى؟

فأجبته بكل ثقة:

لقد فقد عقله بسبب النرجسية وحب الذات، هذا ما أخبرني به من أبلغوني بنبإ جنونه، أتدري يا "المامون" أن هذا المسكين كان لا يكف أبدا عن سب الناس وهرمطة أعراضهم و التقليل من شأنهم؟ أ تدري أنه كان يتحدث عن نفسه بإطراء ومبالغة؟

كان عاشقا لنفسه، وبقدر عشقه لها، كان كارها للناس...

هذا المسكين ضحية النرجسية، أذكر في إحدى المرات، أنني وجدت قصاصة ورق كان قد كتب عليها بعض خواطره، فلما أخذتها لأقرأها وجدتها عامرة بعبارات تقديس الذات وطافحة بالنتقيص والطعن في الناس.

القصاصة ما تزال عندي وقد حفظتها من كثرة ما أعدت قراءتها لأن أسلوبها أعجبني، وإن كان محتواها لا يروق إلا لمريض نفسي، ثم بدأت أتلو كلمات صديقي النرجسي على المامون:

"سأنطوي على نفسي ففيها من الخير ما لا يدركه سواي...

سَأَهُوءُ بها وأسمو بها إلى المعالي حتى لا تطالها خديعة أدمي..

ألم أختلط بالناس صالحهم وطالحهم؟ ألم أعد من مخالطتهم بوجع الرأس إلى حد السهاد والأرق؟

فَلْأَكُفَّ إذن، فلست صبيا أرضع أصابعي، أو أحمقا يجوب الشوارع عريانا..
إنني وإن أبى الناس فهمي لأمير على عرش نفسي..

أمير على عرش الجائشة..

وحدي من يُقَدِّرُنِي ويعرف كُنْهِي وجوهري، أما انطباعات الناس عني فإنها أهون عندي من قُعَيْسٍ على عمته، لا تعرفون من هو قعيس؟ سأخبركم عنه، سَأَمُدُّكُمْ بالمعرفة من بطون الكتب أما من من أفواهكم  فلتحتفظوا بها عندكم، فلست في حاجة إليها.

إن قُعَيْسًا يا جماعة، صبي يتيم، تبنته عمته، وترعرع في كوخها الصغير، وكان لهذه العمة اللئيمة كلب، فحدث أن هطل المطر تَهْطَالًا في إحدى الليالي، فَعَزَّ في نفسها أن يبتل الكلب، و كذلك الكلاب ترأف على بعضها، فأدخلته كوخها وأخرجت قعيسا، ليجده الناس صباح الغد قد مات متجمدا.

هوان قعيس على عمته دون هوان انطباعاتكم عني...

لقد جربت الحب القادم منكم فاستحليته كالعسل، فإذا آخره مرارة دونها مرارة العلقم..

أنتم هكذا دائما، لا تحبون إلا لمصلحة، وعليها تُوَادُّونَ وَتُحَادُّونَ..

فإن أنا جَارَيْتُكُمْ كنت أشبه بكم، وما لذلك خلقت ولا لأجله أحيى..

أنا زهرة الريحان التي فاح عبقها فما استروحته أنوف الجيف، وكيف لها أن تستروح طيب عبقي وقد زكمت أنوفها رائحة الموت.

نرجسي أنا إلى حد حبي لنفسي بقدر كرهي لكم.

بُشْرَاكُمْ إن أنا أدخلتكم في المقارنة، فَعِزُّ الذَّلِيلِ اِلْتِفَاتَةٌ مِنْ عَزِيزٍ، هكذا أراني وأراكم، و دوننا عشرة أفجاج عميقة يَتَسَفَّلُهَا مُحِيطٌ لا قاع له، فمن دنا من شموخي تَلَقَّفَتْهُ الهوة فسقط من غير رجعة..

سقوط محير..

ستهلكون في فراغ الهوة وحلم الارتطام بالقاع يخامركم..

وأنى لكم ذلك وأنا أنا، وأنتم أنتم !"

ما كدت أكمل الكلمات حتى وجدت المامون يرمقني بنظرات شزراوات، وكأنه يقول لي:

وما العجب، لقد كان صديقك مجنونا بشدة، فقلت وثيرة جنونه..

أن يجوب الشوارع فاقدا لعقله أهون عليه من أن يعشق نفسه إلى حد الجنون..

على الأقل، كسر الصقيع أرفق من كسر قلوب الناس !

قصة قصيرة: أيقظها، فإن عادت للنوم فَنَمْ !



سنحيى على هذه الأرض حتى نرى من سَيَتْعَبُ أَوَّلًا، هُمْ يَظُنُّونَ أن الضرب بالمطرقة على هاماتنا سَيُثْنِينَا عن تبليغ الرسالة، لا والله لن يكون لهم ما يريدون، قد وضعنا أول خطوة في درب الإصلاح ولن نقتلعها منه إلا حينما يقتلع عزرائيل أرواحنا من بين جنوبنا.

أَتَمَزَّقُ لَوْعَةً وَأَتَقَطَّعُ حُرْقَةً على حال هذه الأمة الكليمة، لا يهنأ لي بال ولا يغمض لي جفن، أكابد الهموم في وضح النهار، وأصارع الأرق في بطن الظلام.

شدتني الحيرة في بداية عهدي بهذا الشعور، كيف سأتصرف؟ بل ولماذا علي أنا تحديدا أن أتصرف؟

فكرت مليا في الأمر، فوجدت أن للإصلاح وجهان:

أولهما إصلاح النفس ثم الأقرب فالأقرب..
وثانيهما إصلاح المجتمع في ضربة واحدة...

الوجه الأول لم يناسب حماسي واندفاعي لأن الطيش بلغ مني كل مبلغ، والوقت ليس في صالحي، على الأقل هكذا يُخَيَّلُ إلي فَنَحْنُ المصلحون نموت صغارا، نفسي هَيِّنَةٌ علي وإصلاح عيوب الغير أولى من إصلاح عيوب نفسي، ثم إنني ألعب دور المصلح فلماذا سأحتاج الصلاح أصلا؟ متى كان لزاما على الْبَنَّاءِ أن يملك قصرا؟ ومتى كان واجبا على الخياط أن يحوز مصنعا؟

قياس قد يبدو فاسدا بعض الشيء، استشعرت ذلك فعلا لكن غمرة الحماس وطيش الإصلاح الاندفاعي منعاني من الإفحاء والتدقيق.

بدأت عملية الإصلاح وليس لي في الصلاح الذي أدعو إليه نصيب، وَخْزُ الضمير غاب جراء قمعي المستمر له، فكان يقول لي: ويحك، أتدعو الناس إلى شيء لست منه في شيء؟ ألا ترى أنك تلعب دور الحرباء التي تتلون بكل لون لِتُوهِمَ الرائي وهي ليست من ذلك اللون في شيء؟

حاولت إسكات الضمير بالقوة لكن صوته كان منبعثا من بين دخان استعلائي:

(ما أقبح منظر الحرباء حينما تنصح غيرها بالثبات على لون واحد، و شَرُّ الناس من حذوا حذوها.
أولئك الذي رآهم نبي الرحمة صلوات ربي وسلامه عليه ليلة الإسراء و شفاههم تقرض بمقاريض من نار.
الذين قال فيهم رب العزة جل جلاله: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون؟ ".
حَاذِرْ صحبة هؤلاء القوم فإن شرهم مُعْدٍ، وإن كان فيك شيء من دخلهم فتوقف عن سرد المواعظ وإسداء النصائح فإنك أولى بها من غيرك.
وكم من قول يسرك تعميمه وهو حجة عليك لا لك، إذ لا فضل في علم ينقصه العمل به فكيف إذا ناقضه وعاكسه؟
وتذكر:
تتحسن الأحوال..
حينما تكون الأعمال مرآة للأقوال)

كلام جميل فعلا، لكنك أيها الضمير لا تقدر حجم الرسالة، ولا ثقل المسؤولية، لو انْشَغَلْتُ بإصلاح نفسي فمن سَيُصْلِحُ المجتمع والإفساد شغال على قدم وساق؟

ومضت أعوام كثيرة وأنا أَسْلُكُ كل السبل للإصلاح، أَلَّفْتُ كُتُبًا، ألقيت محاضرات، مشيت في الأسواق وفي الشوارع وَاعِظًا، لكنني لما جلست مع نفسي أتفحص حصيلة جهدي، وجدت أنه خَالٍ من البركة، فكل الأعمال التي قدمتها لم تُثْمِرْ، الناس هم الناس، والعيوب هي العيوب.

فَنَكَصْتُ على عَقِبَيَّ، وأحجمت عن هذه الأعمال النبيلة، وَغَضَبْتُ على هذه الأمة التي ترفض الإصلاح، لقد حاولت إيقاظها من نومها فلم تستجب، لقد أَدَّيْتُ ما عَلَيَّ، اللهم هل بلغت اللهم فاشهد !

مرارة الحسرة لم تفارقني للحظة، و لم يكن يُعَزِّينِي عن ذلك إلا صوت المارد الذي يسكنني:

أيقظها، فإن عادت للنوم فَنَمْ !
قد أَدَّيْتَ الشطر الأول، فلم تستيقظ، فما عليك إلا الانخراط في زُمْرَةِ النائمين !

كان كلام المارد حُلْوًا، وقع على قلبي كقطرة الماء البارد على حلق اللهثان، لكن شيئا ما ليس على ما يرام، صوت الضمير يعلو شيئا فشيئا، بدأت أتحاشاه لكنه أبى إلا أن يزداد علوا حتى مسك مجامع قلبي، فكان من جملة ما قاله الضمير:

ها قد انضممت إلى حلف المتخاذلين بعد أن نبهتك منذ مدة إلى أن وجه الإصلاح الأول هو الأجدى، كان يليق بك أن تبدأ بإصلاح نفسك أولا ثم تُثَنِّي بإصلاح الأقرب فالأقرب، لكنك أبيت إلا أن تقتحم هذا المجال الْوَعْرَ، فتسيء إليه وإلى أهله.

كيف سينظر الناس الآن إلى دعوتك بعد أن تخليت عنها وركنت إلى حلف المتخاذلين؟ كيف ستستيقظ هذه الأمة وقد حجزت لنفسك منذ أول عهدك بالإصلاح سريرا إلى جانب نُوَّامِهَا؟

قد فضحت خبيئتك، كنت أعلم من الأول أنك تحاول أن تزيح ثقل المسؤولية عن عاتقك فسلكت درب الطائشين، وهذه قطوف عدم الإخلاص !

لست ألومك على ضُعْفِ هِمَّتِكَ، لكنني ألومك على تَجَنِّيكَ على حَقْلٍ دَخَلْتَهُ فَتَوَهَّمَكَ الناس من أَعْمِدَتِهِ فَلَمَّا نَكَصْتَ على عَقِبَيْكَ استهانوا بما دعوتهم إليه، فَخَلَطُواْ بين دعواك وهواك، فرفضوا كل ما جِئْتَهُمْ به، ونهجوا معك نهج الناكصين الْمُحْجِمِين.

كان الصوت هذه المرة أكبر من صوت المارد، بل وأكبر من صوت الطيش الذي رزأني أعواما من عمري، آن لي - وإن كان الأمر متأخرا - أن أبخع لصوت الحق وأخضع له..
فالإصلاح كقطرة الزيت على الثوب، تبدأ من حيث وقعت لتمتد إلى ما حولها..
أما الإفساد فشبيه بالريح العاتية، تذري معها كل شيء حتى تَسْكُنَ فَتُفْنِي نفسها.