مسالك النجاح الأربعة


زعموا أن رجلا بلغ من النجاح كل مبلغ، فكان لا يضع يده على شيء إلا حالفه السداد، ولا يرى في مسألة رأيا إلا واطأه الصواب، فاحتار الناس في أمره أشد الحيرة، وبذلوا لمعرفة خَبِيئَتِهِ كل جُهْدٍ ولَأْيٍ، فلما فطن لذلك دفعته نفسه الصافية إلى شرح أساليبه للناس ليستفيد منها كل من له بها حاجة.

فصعد ذات يوم ربوة عالية، وصاح في الناس يجمعهم حوله، فلما تحلق حوله جمع غفير خطب فيهم قائلا:

يا معشر الناس، إن الحديث عن النجاح حديث ذو شجون، ولا يمكننا حصره في هذا الملتقى، لكنني سَأُجْمِلُ وَأُلَخِّصُ، عسى أن أصيب بهذه العصارة بيت القصيد فتتضح الصورة في أذهانكم ويستحيل التراب في أيديكم ذَهَبًا.
إن النجاح قمة علياء، وما بلغتها عن كسل مني أو تواكل، وإنما بلغتها بجهد وفقني المولى تبارك وتعالى إليه، ألا وإن الناس يظنون النجاح مرهونا بطول الزمن، ولا يعلمون أنه مرهون بدفع الثمن، فمن شاء أن ينجح، فليقدم من وقته أَثْمَنَهُ، ومن فكره أَحْسَنَهُ، وَلَا يُجَارِيَنَّ السفهاء بِخُلُقٍ يَجُرُّهُ إلى خَيْبَتِهِمْ كما يَجُرُّ الطعم السمك، فَيَخْسَرَ حياته مقابل دودة، لِيَخْسَرَ مُجَارِي السفهاء نَجَاحَهُ مقابل نقاش عقيم.

يا معشر الناس، إنني سلكت في درب النجاح أربعة مسالك، فاسلكوها تظفروا بما ظفرت به.

المسلك الأول: إن سألت عن مساعدي، فهو ساعدي:



إن الذي يرى في جهد الآخرين وسيلة لبلوغ ذروة نجاحه إنسان واهم، فالنجاح مقرون بالجهد الذاتي، ومن بلغ ذروة النجاح مرتقيا ظهور غيره كان سقوطه أشبه بسقوط البهلوان الذي يمشي على الحبل وذراعاه تمسكان بثابت، فإن غاب هذا الأخير أو تهادى، هوى إلى الأرض.


المسلك الثاني: اعمل جميلا، ولا تنتظر جميلا:


إن كنت تنتظر بعد أدائك الحسن شكورا فقد خطوت أول خطوة في درب الفشل، لأن شكر الناس مقرون بدوام فضلك عليهم، فإن نقصته نقموا، وإن أزلته شتموا، فلا تركن إلى محاسن أقوالهم فيك فإنها كشعر الغزل، يلازم الحسناء ما بقيت حسناء فإن بزغ الشيب من خصلاتها استحال الجميع حُطَيْئَةً، اعمل الجميل في الناس ولا تنتظر منهم شكورا فإن العمل الحسن يُبْتَغَى به وجه المولى تبارك وتعالى فإن خلا من الإخلاص ذَرَتْهُ رياح الرياء فلا الناس أقروا لك بخيرك، ولا الأجر احْتُسِبَ لك.


المسلك الثالث: عَيْنِي الْمَرْمُودَةُ وَلَسْتَ أَجْرَبًا:


لم أزل أُوَطِّنْ نفسي على إحسان الظن بالناس ولو أساؤوا، فلست موكلا بالتنقيب في السرائر، أو إجلاء مكنونات الضمائر، ما أنا إلا إنسان بسيط أشغل نفسي بعيوبها فأربح كامل وقتي لإصلاحها بدل تضييعه في تتبع عيوب الغير فلا أنا أصلحت نفسي ولا ربحت وقتي ولا أَرَحْتُ الناس من شري و مساوئي.
لقد قدرني المولى تبارك وتعالى بعد أن أخلصت نيتي إليه، وسلمت مقاليد شؤوني إليه، على أن أَتَّهِمَ عيني بالرمد، بدل أن أَصِمَ جِلْدَ غيري بِالْجَرَبِ ولو كان كذلك.
تعلموا أن تنسبوا عيب الآخر إلى نفوسكم، لتستشعروا مرارة ظلمكم، فإن لم تقدروا فانسخوا عيب غيركم بجميل ظنكم.


المسلك الرابع: بذل الجهود في تقليل العهود:


اعلموا أن أصل النجاح في البخل بتوزيع العهود، لأن كثير العهود إما أن يخذل الناس أو يخذل نفسه، إن بقي على عهده ووفى لكل الناس ضيع نفسه بضياع وقته، وإن نكث عهده خسر الناس وإن فاز بكل وقته.
تعلموا أن تكونوا بخلاء في توزيع العهود، وأدركوا أن النجاح كل النجاح في الحسم والصدق، لا تجامل أحدا على حساب وقتك، فإن العهود سيوف على رقبتك نازلة نازلة، سَوَاءٌ أَ وَفَيْتَ أَمْ نَكَثْتَ.
لذلك لا تعد أحدا بشيء إلا إن كنت قادرا عليه، فإن توزيع الوعود في طعمه كتوزيع الورود، لكنه عند الأداء أشد وطأ من القيود.

هناك 6 تعليقات:

  1. الله ينفع بك الاسلام والمسلمين اتمنى ان يصبح تاريخي كتاريخك و افيد واستفيد ()

    ردحذف
  2. السلام عليكم
    موضوع جميل ورائع الاخ الفاضل شكرا جزيلا لطرحه.

    ردحذف
  3. ما شاء الله عليك ... جزاك الله عنا كل خيراً .

    ردحذف
  4. بارك الله في عملك, فعلا أنت احسنت فيه.

    ردحذف