قصة قصيرة بعنوان: "أمير على عرش الجائشة (النفس) - أو نرجسي واندثر"


لم يكن الجو جميلا يومها ولا وجوه البشر، سحب مُكْرَهِفَّةٌ ووجوه مُكْفَهِرَّةٌ، سيطر علي العبوس بدوري وأنا أخطو بساقي النحيلتين في شارع الأمل، عن أي أمل تتحدثون؟ على الأقل إذا أردتم أن تكذبوا فأحسنوا الكذبة !

كنت أُنَفِّسُ عن عبوسي بصوت كَسْرِ الصقيع وأنا أدوسه، شعور نبيل فعلا، على الأقل أفضل من كسر الخواطر.

كان صديقي "المامون" يتمشى إلى جانبي وهو يغمغم مرددا أغنية غامضة لم أتبين ألفاظها، كان من حين إلى آخر يسرق تركيزي لأرخي بسمعي إليه فأعود خائبا، فلا الأغنية عرفتها ولا غمغماته تطربني.

بين كسر الصقيع وغمغمات المامون، تراءى لي مشهد زلزل أركاني..

إنه صديقي القديم "سليمان" يتوسد الرصيف في عز البرد القارس، فركت عيني في غير تصديق ثم أوقفت المامون بغلظة، لم أنتبه إلى ردة فعله لأن تركيزي كله قد سُلِبَ وأنا أنظر إلى حال "سليمان" المأساوي.

كان يبعد عنا ببضعة أمتار، لا يفصل بيننا سوى الشارع، نحن وُقُوفٌ أمام المقهى وهو نائم على الرصيف المقابل..

أهذا هو نفسه ذلك الفتى الوسيم الذي كان يغضب أشد الغضب إذا عبث أحد بخصلات شعره؟

أهذا هو "سليمان" الذي حير الفصل بذكائه ونباهته؟

أهذا هو سليمان ملك النرجسية وسلطان حب الذات، الذي قهرنا بمدح نفسه في كل مناسبة؟

المشهد مؤلم صراحة، لقد أخبرني بعض الأصدقاء قبل مدة أنه فقد عقله، لكن لم أكن أتوقع أن أراه بهذه الحال، سبحان مبدل الأحوال !

سألني "المامون" وهو يتابع نظراتي:

- هل تعرف هذا المجنون؟

رمقته بفظاظة وهتفت به:

- لا تتكلم بهذا الأسلوب، فهذا صديق قديم !

أطرق المامون برأسه لهنيهات، ثم عاد يسألني:

- وما الذي حدث له يا ترى؟

فأجبته بكل ثقة:

لقد فقد عقله بسبب النرجسية وحب الذات، هذا ما أخبرني به من أبلغوني بنبإ جنونه، أتدري يا "المامون" أن هذا المسكين كان لا يكف أبدا عن سب الناس وهرمطة أعراضهم و التقليل من شأنهم؟ أ تدري أنه كان يتحدث عن نفسه بإطراء ومبالغة؟

كان عاشقا لنفسه، وبقدر عشقه لها، كان كارها للناس...

هذا المسكين ضحية النرجسية، أذكر في إحدى المرات، أنني وجدت قصاصة ورق كان قد كتب عليها بعض خواطره، فلما أخذتها لأقرأها وجدتها عامرة بعبارات تقديس الذات وطافحة بالنتقيص والطعن في الناس.

القصاصة ما تزال عندي وقد حفظتها من كثرة ما أعدت قراءتها لأن أسلوبها أعجبني، وإن كان محتواها لا يروق إلا لمريض نفسي، ثم بدأت أتلو كلمات صديقي النرجسي على المامون:

"سأنطوي على نفسي ففيها من الخير ما لا يدركه سواي...

سَأَهُوءُ بها وأسمو بها إلى المعالي حتى لا تطالها خديعة أدمي..

ألم أختلط بالناس صالحهم وطالحهم؟ ألم أعد من مخالطتهم بوجع الرأس إلى حد السهاد والأرق؟

فَلْأَكُفَّ إذن، فلست صبيا أرضع أصابعي، أو أحمقا يجوب الشوارع عريانا..
إنني وإن أبى الناس فهمي لأمير على عرش نفسي..

أمير على عرش الجائشة..

وحدي من يُقَدِّرُنِي ويعرف كُنْهِي وجوهري، أما انطباعات الناس عني فإنها أهون عندي من قُعَيْسٍ على عمته، لا تعرفون من هو قعيس؟ سأخبركم عنه، سَأَمُدُّكُمْ بالمعرفة من بطون الكتب أما من من أفواهكم  فلتحتفظوا بها عندكم، فلست في حاجة إليها.

إن قُعَيْسًا يا جماعة، صبي يتيم، تبنته عمته، وترعرع في كوخها الصغير، وكان لهذه العمة اللئيمة كلب، فحدث أن هطل المطر تَهْطَالًا في إحدى الليالي، فَعَزَّ في نفسها أن يبتل الكلب، و كذلك الكلاب ترأف على بعضها، فأدخلته كوخها وأخرجت قعيسا، ليجده الناس صباح الغد قد مات متجمدا.

هوان قعيس على عمته دون هوان انطباعاتكم عني...

لقد جربت الحب القادم منكم فاستحليته كالعسل، فإذا آخره مرارة دونها مرارة العلقم..

أنتم هكذا دائما، لا تحبون إلا لمصلحة، وعليها تُوَادُّونَ وَتُحَادُّونَ..

فإن أنا جَارَيْتُكُمْ كنت أشبه بكم، وما لذلك خلقت ولا لأجله أحيى..

أنا زهرة الريحان التي فاح عبقها فما استروحته أنوف الجيف، وكيف لها أن تستروح طيب عبقي وقد زكمت أنوفها رائحة الموت.

نرجسي أنا إلى حد حبي لنفسي بقدر كرهي لكم.

بُشْرَاكُمْ إن أنا أدخلتكم في المقارنة، فَعِزُّ الذَّلِيلِ اِلْتِفَاتَةٌ مِنْ عَزِيزٍ، هكذا أراني وأراكم، و دوننا عشرة أفجاج عميقة يَتَسَفَّلُهَا مُحِيطٌ لا قاع له، فمن دنا من شموخي تَلَقَّفَتْهُ الهوة فسقط من غير رجعة..

سقوط محير..

ستهلكون في فراغ الهوة وحلم الارتطام بالقاع يخامركم..

وأنى لكم ذلك وأنا أنا، وأنتم أنتم !"

ما كدت أكمل الكلمات حتى وجدت المامون يرمقني بنظرات شزراوات، وكأنه يقول لي:

وما العجب، لقد كان صديقك مجنونا بشدة، فقلت وثيرة جنونه..

أن يجوب الشوارع فاقدا لعقله أهون عليه من أن يعشق نفسه إلى حد الجنون..

على الأقل، كسر الصقيع أرفق من كسر قلوب الناس !

هناك 3 تعليقات: