قصة قصيرة: أيقظها، فإن عادت للنوم فَنَمْ !



سنحيى على هذه الأرض حتى نرى من سَيَتْعَبُ أَوَّلًا، هُمْ يَظُنُّونَ أن الضرب بالمطرقة على هاماتنا سَيُثْنِينَا عن تبليغ الرسالة، لا والله لن يكون لهم ما يريدون، قد وضعنا أول خطوة في درب الإصلاح ولن نقتلعها منه إلا حينما يقتلع عزرائيل أرواحنا من بين جنوبنا.

أَتَمَزَّقُ لَوْعَةً وَأَتَقَطَّعُ حُرْقَةً على حال هذه الأمة الكليمة، لا يهنأ لي بال ولا يغمض لي جفن، أكابد الهموم في وضح النهار، وأصارع الأرق في بطن الظلام.

شدتني الحيرة في بداية عهدي بهذا الشعور، كيف سأتصرف؟ بل ولماذا علي أنا تحديدا أن أتصرف؟

فكرت مليا في الأمر، فوجدت أن للإصلاح وجهان:

أولهما إصلاح النفس ثم الأقرب فالأقرب..
وثانيهما إصلاح المجتمع في ضربة واحدة...

الوجه الأول لم يناسب حماسي واندفاعي لأن الطيش بلغ مني كل مبلغ، والوقت ليس في صالحي، على الأقل هكذا يُخَيَّلُ إلي فَنَحْنُ المصلحون نموت صغارا، نفسي هَيِّنَةٌ علي وإصلاح عيوب الغير أولى من إصلاح عيوب نفسي، ثم إنني ألعب دور المصلح فلماذا سأحتاج الصلاح أصلا؟ متى كان لزاما على الْبَنَّاءِ أن يملك قصرا؟ ومتى كان واجبا على الخياط أن يحوز مصنعا؟

قياس قد يبدو فاسدا بعض الشيء، استشعرت ذلك فعلا لكن غمرة الحماس وطيش الإصلاح الاندفاعي منعاني من الإفحاء والتدقيق.

بدأت عملية الإصلاح وليس لي في الصلاح الذي أدعو إليه نصيب، وَخْزُ الضمير غاب جراء قمعي المستمر له، فكان يقول لي: ويحك، أتدعو الناس إلى شيء لست منه في شيء؟ ألا ترى أنك تلعب دور الحرباء التي تتلون بكل لون لِتُوهِمَ الرائي وهي ليست من ذلك اللون في شيء؟

حاولت إسكات الضمير بالقوة لكن صوته كان منبعثا من بين دخان استعلائي:

(ما أقبح منظر الحرباء حينما تنصح غيرها بالثبات على لون واحد، و شَرُّ الناس من حذوا حذوها.
أولئك الذي رآهم نبي الرحمة صلوات ربي وسلامه عليه ليلة الإسراء و شفاههم تقرض بمقاريض من نار.
الذين قال فيهم رب العزة جل جلاله: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون؟ ".
حَاذِرْ صحبة هؤلاء القوم فإن شرهم مُعْدٍ، وإن كان فيك شيء من دخلهم فتوقف عن سرد المواعظ وإسداء النصائح فإنك أولى بها من غيرك.
وكم من قول يسرك تعميمه وهو حجة عليك لا لك، إذ لا فضل في علم ينقصه العمل به فكيف إذا ناقضه وعاكسه؟
وتذكر:
تتحسن الأحوال..
حينما تكون الأعمال مرآة للأقوال)

كلام جميل فعلا، لكنك أيها الضمير لا تقدر حجم الرسالة، ولا ثقل المسؤولية، لو انْشَغَلْتُ بإصلاح نفسي فمن سَيُصْلِحُ المجتمع والإفساد شغال على قدم وساق؟

ومضت أعوام كثيرة وأنا أَسْلُكُ كل السبل للإصلاح، أَلَّفْتُ كُتُبًا، ألقيت محاضرات، مشيت في الأسواق وفي الشوارع وَاعِظًا، لكنني لما جلست مع نفسي أتفحص حصيلة جهدي، وجدت أنه خَالٍ من البركة، فكل الأعمال التي قدمتها لم تُثْمِرْ، الناس هم الناس، والعيوب هي العيوب.

فَنَكَصْتُ على عَقِبَيَّ، وأحجمت عن هذه الأعمال النبيلة، وَغَضَبْتُ على هذه الأمة التي ترفض الإصلاح، لقد حاولت إيقاظها من نومها فلم تستجب، لقد أَدَّيْتُ ما عَلَيَّ، اللهم هل بلغت اللهم فاشهد !

مرارة الحسرة لم تفارقني للحظة، و لم يكن يُعَزِّينِي عن ذلك إلا صوت المارد الذي يسكنني:

أيقظها، فإن عادت للنوم فَنَمْ !
قد أَدَّيْتَ الشطر الأول، فلم تستيقظ، فما عليك إلا الانخراط في زُمْرَةِ النائمين !

كان كلام المارد حُلْوًا، وقع على قلبي كقطرة الماء البارد على حلق اللهثان، لكن شيئا ما ليس على ما يرام، صوت الضمير يعلو شيئا فشيئا، بدأت أتحاشاه لكنه أبى إلا أن يزداد علوا حتى مسك مجامع قلبي، فكان من جملة ما قاله الضمير:

ها قد انضممت إلى حلف المتخاذلين بعد أن نبهتك منذ مدة إلى أن وجه الإصلاح الأول هو الأجدى، كان يليق بك أن تبدأ بإصلاح نفسك أولا ثم تُثَنِّي بإصلاح الأقرب فالأقرب، لكنك أبيت إلا أن تقتحم هذا المجال الْوَعْرَ، فتسيء إليه وإلى أهله.

كيف سينظر الناس الآن إلى دعوتك بعد أن تخليت عنها وركنت إلى حلف المتخاذلين؟ كيف ستستيقظ هذه الأمة وقد حجزت لنفسك منذ أول عهدك بالإصلاح سريرا إلى جانب نُوَّامِهَا؟

قد فضحت خبيئتك، كنت أعلم من الأول أنك تحاول أن تزيح ثقل المسؤولية عن عاتقك فسلكت درب الطائشين، وهذه قطوف عدم الإخلاص !

لست ألومك على ضُعْفِ هِمَّتِكَ، لكنني ألومك على تَجَنِّيكَ على حَقْلٍ دَخَلْتَهُ فَتَوَهَّمَكَ الناس من أَعْمِدَتِهِ فَلَمَّا نَكَصْتَ على عَقِبَيْكَ استهانوا بما دعوتهم إليه، فَخَلَطُواْ بين دعواك وهواك، فرفضوا كل ما جِئْتَهُمْ به، ونهجوا معك نهج الناكصين الْمُحْجِمِين.

كان الصوت هذه المرة أكبر من صوت المارد، بل وأكبر من صوت الطيش الذي رزأني أعواما من عمري، آن لي - وإن كان الأمر متأخرا - أن أبخع لصوت الحق وأخضع له..
فالإصلاح كقطرة الزيت على الثوب، تبدأ من حيث وقعت لتمتد إلى ما حولها..
أما الإفساد فشبيه بالريح العاتية، تذري معها كل شيء حتى تَسْكُنَ فَتُفْنِي نفسها.

هناك 3 تعليقات:

  1. من يقبض الارواح ليس عزرائيل بل اسمه ملك الموت اخى فقط....

    ردحذف
  2. من يقبض الارواح ليس عزرائيل بل اسمه ملك الموت اخى فقط....

    ردحذف
  3. بارك الله فيك على شعورك واحساسك بالامة فواجب كل مسلم ان يكون عنده هذا الهم وهذا الاحساس فالامة كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر
    ونسال الله ان يوفقنا لاصلاح انفسنا واهلينا ومجتمعاتينا

    ردحذف