التثريب على المتقاعسين من أهل التعريب


بعد أن تحررت بلدان المشرق والمغرب العربي من براثين الاحتلال، بدأت في شق طريق النهضة والتقدم، وأدركت أن لا تقدم ولا نهضة إلا بعد  تعريب كل المجالات التي سرت فيها لوثة المحتل، لأن اللغة أصل الفهم، ولكي يفهم الجيل الناشىء العلوم والتكنولوجيات عليه أن يجدها باللغة التي يفهمها.
من هذا المنطلق بدأت معظم الدول في تعريب المناهج التعليمية بدرجات متفاوتة، فبين دول عربت  التعليم العام في كل مراحله بدء من الطور الابتدائي وانتهاء بالطور الجامعي مرورا بالأطوار الإعدادية والثانوية (دول الخليج نموذجا)، وبين دول عربت طورا دون طور (دول المغرب العربي نموذجا).
وكما تذكر الموسوعة العربية العالمية، فإن الحاجة الكبرى إلى عمليات التعريب دفعت مجموعة من الأقطار العربية إلى إنشاء مجامع لغوية "على غرار مراكز التعريب التي ازدهرت في العصر الأمويّ والعباسي خاصة وجعلت من اللغة العربية آنذاك لغة الثقافة والحضارة والعلم، إلى جانب كونها لغة الدين." بغرض مواكبة الثورة العلمية الحديثة، ومحاولة نقلها إلى العالم العربي بصيغة مفهومة تقوم على ترجمة كل المصطلحات الأجنبية إلى مصطلحات عربية.
ولا يستطيع أحد أن ينكر فضل هاته المجامع والتنسيقيات والمعاهد والمكاتب التي لم تذخر جهدا في سبيل ترجمة كل المصطلحات الدخيلة وإيجاد مفردات مقابلة لها في اللغة العربية سعيا منها لمواكبة هذا الزخم المعرفي والتطور العلمي الهائل في العالم الغربي، ولا يقدر أحد أن يجحد بأن هذا الجيل جنى ثمار هذه المؤسسات من خلال القواميس العديدة التي أصدرتها، وأبرز هذه المجامع: المجمع العلمي العراقي، مجمع اللغة العربية الأردني، مجمع اللغة العربية المصري، المكتب الدائم لتنسيق التعريب بمدينة الرباط عاصمة المغرب، ويعد هذا الأخير ـ حسب الموسوعة العربية العالمية ـ صاحب فضل عظيم في "تنسيق وتوحيد مصطلحات 20 علما إلى حدود عام 1981، وبلغ عدد تلك المصطلحات 67 061 مصطلحا، كما قام المكتب بإصدار مجلته اللسان العربي منذ شهر يونيو عام 1964م، ونشر المصطلحات العلمية والمعاجم في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفقه والقانون والأشغال العامة والسياسة وغيرها من شؤون الحياة."
لكن في السنوات القليلة الأخيرة، بدأ نشاط هذه المجامع يضعف وعطاؤها يندر إزاء ثورة معرفية هائلة تستلزم تكثيف الجهود لمسايرة متطلبات العصر عبر تعريب مصطلحات هذه المعارف والتقنيات الجديدة ومحاولة إفراد قواميس متخصصة يعود إليها كل من أراد الكتابة في علم من هذه العلوم.
الكاتب العربي اليوم، الذي يكتب في مجال التقنية أو البرمجة أو الشبكات أو الإعلاميات عموما، يجد صعوبة بالغة في ترجمة الكلمات الأعجمية إلى اللغة العربية لأنه ليس من أهل الفن وليس له باع طويل في اللغة العربية فتجده يتخبط في الترجمة فيعرب كلمة دخيلة بما لا علاقة له بالمفهوم الأصلي للكلمة (مثلا في البرمجة تتم ترجمة الكلمة Class إلى "فئة" وهذه الكلمة لا تعكس جوهر الكلمة الأصل)، لا عتاب ولا لوم ولا تثريب على هؤلاء الكتاب، لأنهم ليسوا مجبرين بأن يكونوا من علماء اللسانيات أو من نوابغ النحو و الإعراب ليتمكنوا من إيجاد المرادف السليم لكل كلمة أعجمية، لكن اللوم كل اللوم والتثريب كل التثريب على أهل التخصص الذين لم يوفروا لهذا الكاتب قاموسا يعود إليه ليجد المصطلح السليم المتفق عليه عربيا فيستعمله في كتاباته.
اليوم، اللغة العربية في أمس الحاجة ـ أكثر من أي وقت مضى ـ إلى أهل التخصص في التعريب والترجمة لكي يبدؤوا في البحث عن الكلمات المستخدمة في المعلوميات ويحاولوا أن ينسقوا مع المجامع العربية الأخرى ويوحدوا جهودهم ليخرجوا بقواميس ومعاجم يعود إليها كتاب المعلوميات، وذلك سيجعل لغتنا العربية لغة قوية مواكبة لتغيرات العصر، بالإضافة إلى إغنائها بزاد مهم من الكلمات العلمية والتقنية.

في الختام أرجو من الله العلي القدير أن تجد هذه الرسالة صدى عند من عليه مسؤولية التعريب والترجمة، وأن يقيض الله جل وعلا للغتنا العربية مجامع ومعاهد تسهر على إثرائها وإغنائها بالمصطلحات العلمية لكي يجد كل كاتب في مجاله قواميسا ومعاجم متخصصة، وكي يجد كل طالب علم مؤلفات في شتى العلوم والتقنيات بلغته التي يفهمها، آنذاك ستشتعل الثورة العلمية العربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق